Just For Chemistry
مرحبا بالزائر الكريم
ندعوك للتسجيل بالمنتدى

Just For Chemistry

Just try it
 
الرئيسيةاليوميةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ففروا الى الله

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Just a Chemist

avatar

عدد المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 12/07/2010

مُساهمةموضوع: ففروا الى الله   الأربعاء أكتوبر 13, 2010 2:00 pm

ففروا إلى الله
محاضرة للشيخ: محمود المصري


ملخص:
إننا نعيش في زمن ملئ بالفتن و الشبهات و الشهوات لذلك يجب على كل مسلم يعيش في هذا الزمان أن يحاسب نفسه و ينظر إلى عمله و إلى ما قدمه للقاء الله عز و جل و يجب علينا جميعا أن نفر إلى الله عز و جل و نتأسى بالأسوة الحسنة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم، و نحرص أن نكون من السالكين إلى الصراط المستقيم الفارين إلى الله عز و جل. و إن من أعظم أمثلة الصحابة الباحثين عن الحقيقة الفارين إلى الله عز و جل هو الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه و أرضاه.

المحاضرة:
إن الحمد لله تعالى نحمدة و نستعينه و نستغفره، و نعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له و أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم و إليه ترجعون و أشهد أن محمدا عبده و رسوله و صفيه من خلقه و حبيبه أدى الأمانة و بلغ الرسالة و نصح الأمة فكشف الله به الغمة و جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين فصلوات ربي و سلامه عليه و على آله و صحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى و أحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه و آله و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار.
"ففروا إلى الله" هذا هو عنوان لقائنا في هذا اليوم الميمون المبارك في هذا الزمان الذي انتشرت فيه الشبهات و الشهوات و انصرف فيه كثير من الناس عن طاعة رب الأرض و السماوات و سلطت الفتن على المسلمين من كل حدب و صوب كان لزاما علينا جميعا أن نتمثل قول الرب العلي: " ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين "، ففي هذا الزمان الذي انتشرت فيه الفتن التي أخبر عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه و سلم حيث قال كما في الحديث الذي رواه مسلم: " بدأ الإسلام غريبا و سيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء ". و في رواية الطبراني بإسناد حسن: قيل: " من الغرباء يا رسول الله؟ "، قال: " الذين يصلحون إذا فسد الناس ". و في رواية الترمذي بإسناد حسن: قيل: " من الغرباء يا رسول الله؟ "، قال: " الذين يصلحون ما أفسد الناس ". و في رواية أحمد بسند صحيح: قيل: " من الغرباء يا رسول الله؟ "، قال: " أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ". فأخبر الحبيب صلى الله عليه و سلم بذلك أن أهل الغربة صالحون و مصلحون – صالحون في أنفسهم و يصلحون من حولهم – كما قال جل و على: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله "، و كما قال جل و علا: " و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا "، بل و في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي سعيد الخضري أن الحبيب النبي صلى الله عليه و سلم قال: " يدعى نوح يوم القيامة فيقول جل و علا له يا نوح هل بلغت رسالتك؟، فيقول أجل يا رب بلى، قد بلغت رسالتي فيسأل الله عز و جل قوم نوح و هو أعلم جل و علا هل بلغكم نوح رسالته فيقولون يا ربنا ما جاءنا من نذير و ما جاءنا من بشير فيقول الحق جل و علا مرة أخرى لنوح عليه السلام يا نوح لقد أنكرت أمتك فمن يشهد لك؟ فيقول نوح عليه السلام يشهد لي محمد و أمته "، قال صلى الله عليه و سلم فتدعون فتشهدون و أشهد عليكم فذلك قوله جل و علا: " و كذلك جعلناكم أمة وسطا لبكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا ". بل و قد أخبر الحبيب المصطفي الذي لا ينطق عن الهوى بأبي هو و أمي صلى الله عليه و سلم أن أمة الإسلام الميمونة المباركة في زمن الفتن الذي نعيشه الأن ستفترق إلى ثلاث و سبعين فرقة، ففي الحديث الذي رواه ابن ماجى بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: " افترفقت اليهود على إحدى و سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، و افترقت النصارى على ثنتين و سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، و الذي نفسي بيده ستفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة " قيل "من هم يا رسول الله"- صلى الله عليه و سلم- قال: " الذين هم على مثل ما أنا عليه اليوم أنا و أصحابي "، اليوم أي في زمن النبي صلى الله عليه و سلم حتى لا يأتي رجل و يبتدع في سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم و يظن أن تلك هي السنة التي جاء بها المعصوم صلى الله عليه و سلم من عند ربه جل و علا. و سأل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه و أرضاه حبيبنا صلى الله عليه و سلم عن النجاة في زمن الفتن كيف يكون ذلك؟، ففي الحديث الذي رواه البخاري عن حذيفة بن اليمان أنه قال: " كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الخير و كنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني "، و هذا من عمق فهم و فقه حذيفة رضي الله عنه و أرضاه فهو يتعامل مع النصوص من خلال قول القائل " عرفت الشر لا للشر و لكن لتوقيه و من لا يعرف الخير من الشر يقع فيه "، قال " كان الناس يسألون رسول الله عن الخير أما أنا فكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله لقد كنا في جاهلية و شر" – أي قبل بعثة النبي صلى الله عليه و سلم – " فجاءنا الله عز و جل بهذا الخير" – أي بهذا الدين الذي جئت به يا رسول الله – "فهل بعد هذا الخير من شر؟" قال له صلى الله عليه و سلم "أجل" و لم يسأله حذيفة عن تفاصيل الشر و النجاة من الشر لكثرة وجود أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم من العلماء العاملين الذين يقضون على الفتن بإذن الله جل و علا، " فقلت: فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال له صلى الله عليه و سلم: أجل خير و فيه دخن، قلت: و ما دخنه يا رسول الله قال: قوم يستنون بغير سنتي و يهتدون بغير هديي تعرف منهم و تنكر، فقلت: يا رسول الله فهل بعد هذا الخير الذي فيه دخن هل بعده من شر؟ فقال: صلى الله عليه و سلم أجل دعاة على أبواب جهنم" - نسأل الله العفو و العافية – " دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها فقال حذيفة صفهم لنا يا رسول الله" مع أن حذيفة لن يدرك هذا الزمان يقينا لكنه من باب حب الخير لإخوانه المسلمين من الأجيال التي تأتي بعد ذلك أراد حذيفة أن يحذر المسلمين على لسان رسول رب العالمين جل و علا فأراد حذيفة أن يعلم الحقيقة من النبي ليحذر الأمة، " فقال: صفهم لنا يا رسول الله، قال: أما إنهم أناس من جلدتنا" - أي مسلمين –" و يتكلمون بألسنتنا" - أي علماء – " فقال له حذيفة: فماذا تأمرني يا رسول الله إن أدركني هذا الزمان قال: أن تلزم جماعة المسلمين و إمامهم" قال" قلت: له يا رسول الله فإن لم لأجد للمسلمين جماعة و لا إماما فقال له صلى الله عليه و سلم: فاعتزل تلك الفرق و لو أن تعض على اصل شجرة حتى يدركك الموت و أنت على ذلك". فسر كثير من أهل العلم قول النبي صلى الله عليه و سلم و لو أن تعض على اصل شجرة أي أن تلزم أهل العلم العاملين بسنة رسول رب العالمين صلى الله عليه و آله و سلم، أن تلزم أهل العلم العاملين العلماء الذين يعملون بهذا العلم، و لقد ذم النبي صلى الله عليه و سلم كل من تعلم العلم و لم يعمل به كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري و مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم وصف وصفا عجيبا للعالم الذي لا يعمل بعلمه عن عذابه يوم القيامة فقال صلى الله عليه و سلم في حديثين:
- الحديث الأول: رواه البخاري و مسلم و اللفظ لمسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: " أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة "، أول من تسعر بهم النار ثلاثة و هؤلاء الثلاثة من أمة الحبيب صلى الله عليه و سلم بل من خواص أمة الحبيب، " قارئ القرآن - أو العالم كما في رواية أخرى - والمجاهد و المتصدق "، فالشاهد من الحديث أنه يؤتى بالعالم أو قارئ القرآن فيعرفه الله عز و جل نعمه فيعترف بها و يقر فيقول جل و علا " فماذا عملت بتلك النعم؟ " -أي في أي شيء استخدمت تلك النعم- فيقول هذا الرجل " يا ربي تعلمت العلم و علمته و قرأت القرآن و أقرأته من أجلك " و لكن الله عز و جل يعلم خبث نية و طوية هذا الرجل يعلم أنه ما عمل هذا العمل لله بل عمله لحظه و هواه فيقول له جل و علا " كذبت و تقول الملائكة له كذبت " ثم يقول جل و علا " إنك ما تعلمت العلم وعلمته و قرأت القرآن و أقرأته إلا ليقال عالم أو قارئ و قد قيل " ثم يأمر الملائكة فتلقيه على وجهه في النار - عياذا بالله -.
- الحديث الثاني رواه البخاري و مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: " يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه " - أي أمعائه تخرج الأمعاء خارج الجسد - " فيدور حول الأمعاء كما يدور الحمار برحاه فيجتمع إليه أهل النار و يقولون ويلك هذا ألم تكن تأمرنا بالمعروف و تنهانا عن المنكر فيقول بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه و كنت أنهاكم عن المنكر و آتيه " فذلك قول الله عز و جل " أتأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم " و كما في آيه أخرى " لما تقولون ما لا تفعلون ".
إذا واجب علينا جميعا في ظل هذه الفتن التي سلطت على بلاد المسلمين من كل حدب و صوب أن نلتزم قول الرب العلي " ففروا إلى الله " و أن نعتصم بالحق جل و علا فإنه لا ملجأو لا منجى من الله عز و جل إلا إليه، فتضرع إلى الله عز و جل بلسان الحال و المقال و كأنك تقول " اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك و من الأمل إلا فيك و من التوكل إلا عليك و من الإنابة إلا إليك و من الصبر إلا على بابك و من الذل إلا في طاعتك و من الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين " فيكون هذا لسان حالك و مقالك، قال جل و علا " ففروا إلى الله ".
قال الإمام بن القيم - رحمه الله - " والفرار نوعان: فرار السعداء و فرار الأشقياء، ففرار السعداء هم الذين يفرون إلى الله عز و جل بالطاعة و بالبعد عن كل معصية، أما فرار الأشقياء فهم الذين يفرون من الله عز و جل " - ولا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم -. لذا قال أحد السلف الصالح رضي الله عنهم جميعا قال: " عليك بطريق الحق " - أي اسلك طريق الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه و سلم - " عليك بطريق الحق و لا تستوحش لقلة السالكين "، ستجد أن الطائعين لله قلة قليلة فلا تستوحش لذلك فقد أخبر جل و علا عن ذلك و قال " و قليل من عبادي الشكور " و قال جل و علا " و إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله " و قال جل و علا " و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم مشركون "، إذا فأهل الطاعة الذين يتقربون إلى الله عز و جل في كل زمان هم قلة قليلة، قلة ميمونة مباركة عرفت حق الله و عرفت حق رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، إذا " فعليك بطريق الحق و لاتستوحش لقلة السالكين و إياك و طريق الباطل و لا تغتر بكثرة الهالكين "، لا تغتر بكثرة الذين يقعون في المعاصي و يصرون على ذلك و يظنون أنهم على الحق، و طريق الحق هو صراط الله المستقيم الذي جاء به النبي الأمين صلى الله عليه و سلم فلن تستطيع أن تسلك صراط الله عز و جل إلا خلف النبي بل و لن تدخل جنة الرحمان إلا خلف الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم كما أخبر بذلك النبي كما في الحديث الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: " أنا أول الناس يشفع قي الجنة "، في رواية الترمذي بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم وضح الرواية الأولى فقال: " أنا أول من يأخذ بحلق أبواب الجنة فأقعقعها فيقول خازن الجنة من؟ فأقول محمد بن عبد الله قال فيفتح خازن الجنة أبواب الجنة و يقول للحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم يا رسول الله لك أمرت لا أفتح الجنة لأحد قبلك يا رسول الله قال الحبيب المصطفى فأدخل الجنة و معي فقراء المؤمنين - و في رواية فقراء المهاجرين - يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم " و كما في رواية الترمذي أي بخمسمائة عام لأن الله عز و جل قال: " و إن يوم عند ربك بألف سنة مما تعدون ".
إذا فما علينا إلا أن نسلك صراط الله المستقيم لكي نفر إلى الله عز و جل و ننجو من تلك الفتن فالجنة تحتاج إلى عمل و رضوان الله عز و جل يحتاج إلى إخلاص و صدق في القول و العمل إذا فما علينا إلا أن نلتزم قول الرب العلي " ففروا إلى الله "، و تعالوا بنا لنسيربقلوبنا و أرواحنا مع الذين فروا بأرواحهم و أجسادهم إلى الله عز و جل ففازوا بكل خير في الدنيا و الآخرة:
- أول مثل: هو زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه و أرضاه:
زيد بن عمرو بن نفيل كما روى أهل السير اجتمع مع ثلاثة في الجاهلية قبل بعثة النبي صلى الله عليه و سلم و كانت قريش قد خرجت في عيد من أعيادها، أي في عيد من أعياد أصنامهم و آلهتهم المزعومة، فقام زيد بن عمرو بن نفيل و كلم الثلاثة الذين معه فقال لهم: " والله إني أرى أن قومنا ليسوا على شيء بل هم على الباطل فهيا نبحث عن الدين الحق لنعبد الله جل و علا " فقام الثلاثة الذين مع زيد بن عمرو بن نفيل فمنهم من تنصر و استحكم في النصرانية و على رأسهم ورقة بن نوفل الذي مات قبل بعثة النبي صلى الله عليه و سلم و لكن النبي صلى الله عليه و سلم رآه في الجنة في ليلة الإسراء و المعراج، و أما الثاني فهو عبيد الله بن جحش الذي تنصر ثم لما بعث النبي أسلم عبيد الله بن جحش و تزوج أم حبيبة ،التي بعد ذلك كانت زوجة لسيد الأولين و الآخرين صلى الله عليه و سلم، فهاجر عبيد الله بن جحش بزوجته ،التي هي أم حبيبة، هاجر بها إلى بلاد الحبشة و لما وصل إلى بلاد الحبشة ترك الإسلام و تنصر و مات على النصرانية، و أما الثالث فتنصر و عاش في بلاد الروم، و أما الرابع فهو زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه و أرضاه الذي أخد يسأل الناس " أين أصل إلى الديانة الحقة؟ " قالوا في بلاد الشام، فذهب إلى بلاد الشام و الحديث رواه البخاري،" ذهب زيد بن عمرو بن نفيل إلى بلاد الشام فلما وصل إلى هناك وجد حبرا من أحبار اليهود فقال له دلني على ديانتك فلعلي أن أدخل في ديانة اليهود فقال له هذا الحبر إنك لن تدخل في ديانة اليهود حتى تبوء بغضب الله جل و علا فقال زيد بن عمرو والله ما أفر إلا من غضب الله فكيف أدخل في دين أنال منه غضب الله؟ لا، لا أريد، إذا فما الدين الحق؟ فقال له الحبر إن الديانة الحقة هي ديانة إبراهيم عليه السلام ديانة الحنيفية فابحث عنها فإن وجدتها فثم هذا الدين، فذهب زيد بن عمرو بن نفيل فوجد راهبا نصرانيا فقال دلني على ديانتك فلعلي أن أتنصر معك فقال له هذا الراهب إنك لن تكون نصرانيا حتى تبوء بلعنة الله جل و علا فقال زيد و الله ما أفر إلا من لعنة الله و لكن دلني على الديانة الحقة قال فالديانة الحقة هي ديانة إبراهيم عليه السلام فخرج زيد بن عمرو بن نفيل و توجه إلى السماء و قال " اللهم إني أشهدك أني على ديانة إبراهيم عليه السلام " "، في رواية أخرى عند البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها قالت: " كنت أرى زيد بن عمرو بن نفيل، قبل بعثة النبي، كنت أراه مسندا ظهره إلى الكعبة و هو يقول لكفار قريش يا قوم و الله ما فيكم رجل على ديانة إبراهيم عليه السلام إلا أنا " قالت أسماء " و كان زيد يحي المؤودة " أي أنه إذا أنجب رجل ابنة فكان يئدها و يدفنها حية فإذا رآه زيد بن عمرو بن نفيل قال له أكفيك مؤنتها و لا تقتلها فيأخذ الطفلة و يربيها و ينميها حتى تعيش في كنفه و ينقذها من القتل. و في رواية أحمد بسند صحيح أن سعيد بن زيد و هو ابن زيد بن عمرو بن نفيل و عمر بن الخطاب و هو ابن عمه قالا للنبي صلى الله عليه و سلم " يا رسول الله ألا نستغفر لزيد بن عمرو بن نفيل فقال لهم النبي أجل استغفروا له فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده بيني و بين عيسى بن مريم عليه السلام ". هذا رجل فر إلى الله عز و جل ذهب يبحث عن الديانة الحقة حتى يصل إلى الدين الحق فيتعبد لله عز و جل بأعظم دين وجد على وجه الأرض ألا و هو دين الحنيفية و الإسلام لله جل و علا.
- و المثل الثاني: سلمان الفارسي رضي الله عنه و أرضاه:
الباحث عن الحقيقة الذي ظل يبحث عن الدين الحق عشرين سنة بل أكثر من عشرين سنة، و سلمان الفارسي كان ابن رئيس القرية في بلاد فارس و كان قد اجتهد في المجوسية و هم الذين يعبدون النار حتى أصبح قاتم النار - أي الذي يوقد النار - فلما وصل إلى تلك المنزلة العالية على الرغم من ذلك أحس أنه يريد أن يتعرف على الديانة الحقة ليتقرب إلى الله عز و جل فبحث عن الديانة الحقة و ظل ينتقل من بلد إلى بلد و من راهب إلى راهب حتى دله آخر راهب أنه قد أظنه زمان نبي صلى الله عليه و سلم يبعث في بلاد مكة و يهاجر إلى المدينة المنورة فهاجر سلمان الفارسي حتى وصل إلى المدينة و لكنه بيع كعبد رقيق و ظل عبدا رقيقا سنوات طويلة إلى أن وصل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فلما وصل كان آخر راهب قد أعطى سلمان ثلاث علامات من علامات نبوة النبي صلى الله عليه و سلم، العلامة الأولى: أن النبي صلى الله عليه و سلم يقبل الهدية، الثانية: أنه لا يقبل الصدقة، الثالثة: أنه بين كتفيه خاتم النبوة. فلما ذهب سلمان الفارسي إلى النبي قدم إليه بطعام فقال له يا رسول الله لقد علمت أنك بحاجة إلى المال أنت و أصحابك فجئتك بصدقة فأعطاها و قدمها للنبي فلم يأكل النبي و أمر أصحابه أن يأكلوا، فقال سلمان في نفسه هذه واحدة، جاء في اليوم الثاني فقدمه إلى النبي صلى الله عليه و سلم و قال له لقد جئتك بطعام هدية لك و لأصحابك فأكل النبي و أمر أصحابه أن يأكلوا، فعلم سلمان العلامة الثانية و قال و هذه الثانية، و لما كلن في اليوم الثالث رأى النبي صلى الله عليه و سلم يدفن جنازة في البقيع فتقدم سلمان الفارسي إلى الحبيب النبي صلى الله عليه و سلم و ظل ينظر في ثيابه من الخلف لعله يرى خاتم النبوة فلما علم النبي ذلك أزاح له الثياب حتى ينظر فلما رأى سلمان الفارسي خاتم النبوة بين كتفي الحبيب النبي احتضن النبي صلى الله عليه و سلم من الخلف و ظل يبكي لأنه هو الذي ظل يبحث عن الحق و الحقيقة أكثر من عشرين سنة و نعمة الوصول أجل نعمة و نعمة الوصول أعظم نعمة و أعظم و أجل نعمة يوم تصل إلى الطريق الذي يوصلك إلى مرضات الله جل و علا، فلما وصل سلمان احتضن النبي من الخلف و ظل يبكي فأمره النبي أن يستدير فلما جاء أمام النبي قال له النبي " أخبرني عن حالك ما قصتك و ما أمرك؟ " و قص عليه سلمان قصته في البحث عن الحقيقة أكثر من عشرين سنة فتبسم النبي صلى الله عليه و سلم ثم أمره بعد ذلك أن يكاتب مولاه لكي يعتقه من هذه العبودية و ساعده أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم حتى أصبح حرا، ثم استعمله الله عز و جل في غزوة الخندق لما اجتمعت كتائب الكفر للقضاء على المسلمين و لإستئصال شأفة المسلمين في غزوة الأحزاب و إذا بسلمان الفارسي يقول بهذا الرأي الذي اقترحه على النبي صلى الله عليه و سلم ليكون سببا في إنقاذ المسلمين من وطأة المشركين في هذا اليوم، فقال للنبي صلى الله عليه و سلم " يا رسول الله لقد كنا في بلاد فارس إذا حوصرنا خندقنا حولنا " فأمر النبي أن يحفروا الخندق بل و حفر النبي معهم صلى الله عليه و سلم فكان الخندق بفضل الله عز و جل سببا في نجاة النبي و أصحابه من هؤلاء الذين اجتمعوا حول الخندق و قد بلغوا عشرة آلاف مشرك يريدون أن يستأصلوا الإسلام و أهله، أجل و الله، هذا الباحث الثاني عن الحقيقة الذي فر إلى الله عز وجل و ما أراد إلا مرضات الله عز و جل.
- أما عن الباحث الثالث فهو: أبو ذر الغفاري:
الذي لما سمع بمقدم النبي و بعثة النبي صلى الله عليه و سلم أمر أخاه أنيس أن يذهب ليعرف له و يعلم له خبر النبي صلى الله عليه و سلم فذهب أنيس ثم عاد فقال له أبو ذر " ماذا علمت؟ " قال " وجدت رجل يأمر بالخير و ينهى عن الشر " قال له " ما أشفيتني " فذهب أبو ذر لأنه شغوف بالوصول إلى الحق جل و علا فذهب إلى مكة و لما علم المشركون أنه جاء بحثا عن النبي صلى الله عليه و سلم ظلوا يضربونه حتى قام وكأنه نصب أحمر من شدة الدماء التي نزفت من وجهه و من جسده رضي الله عنه و أرضاه و ظل أبو ذر بلا طعام ولا شراب إلا ماء زمزم أكثر من شهر، ثلاثين يوما يعيش على ماء زمزم بحثا عن الحقيقة يتحمل كل ذلك في ذات الله فإن المؤمن في طريق وصوله إلى الله عز و جل يتحمل كل العذاب من أجل أن يصل إلى الحقيقة، و ظل أبو ذر يتحمل هذا الجوع و تلك المشقة و هذا العنت حتى وصل إلى النبي صلى الله عليه و سلم و أسلم لله جل و علا مع أن أبا ذر كان من قبيلة غفار و كانوا جميعا قطاع طرق و على الرغم من ذلك يصطفي الله عز و جل أبا ذر ليسلم لله جل و علا ثم يعود إلى قبيلته داعيا لله عز و جل فتسلم نصف القبيلة و لما قدم النبي المدينة أسلم النصف الباقي فأسلمت القبيلة كلها و جاءت معهم قبيلة أسلم حتى قال لهم النبي صلى الله عليه و سلم لما رآهم قد جاءوا و أسلموا لله جل و علا قال " أسلم سالمها الله و غفار غفر الله لها ".
فكيف تفر إلى الله عز و جل و كيف تكون سببا في نجاة قومك من عذاب الله هذا هو الأصل الذي نعيش من أجله، " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، و كما قال ربعي بن عامر لرستم لما سأل من أنتم؟ و ما الذي جاء بكم إلى هنا؟ قال " له نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد و من جور الأديان إلى عدل الإسلام و من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا و الآخرة "، أجل و الله، و من أجل ذلك تحملوا كل العذاب و استعذبوا كل شيء من أجل أن يصلوا إلى طريق الحق جل و علا.
- فهذا بلال رضي الله عنه و أرضاه يعذب في رمداء مكة و توضع الصخور العظيمة على صدره و على ظهره و مع ذلك يقولون له " ءاللات و العزة إلاهان من دون الله " فيقول " أحد أحد " فيمر عليه أبو بكر و يقول " ينجيك الله عز و جل الواحد الأحد " و يذهب أبو بكر و يصفي التجارات و يجمع الأمول ليشتري العبيد و الأرقاء ليعتقهم خشية أن يفتنوا في دينهم فكان من بين من أعتقهم بلال فقام المنافقون و قالو " والله ما أعتق أبو بكر بلالا إلا ليد كانت لبلال عنده " فنزل قول الله عز و جل: " و ما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى و لسوف يرضى ".
- و هذا خباب بن الأرط الذي كانت مولاته أم أنمار الخزاعية كانت توقد النار حتى إذا ما صار النار فحما قامت و أحضرت خباب بن الأرط و أمرت رعاياها أن يخلعوا ثيابه ثم يضعون ظهره على هذا الفحم قال خباب بن الأرط " فما يطفئ الفحم إلا ودق شحم ظهري " - و لا حول و لا قوة إلا بالله - حتى أنه عذب في سبيل الله عز و جل عذابا شديدا كما في الحديث الذي رواه البخاري فذهب إلى النبي صلى الله عليه و سلم فوجده متوسدا بردة له في حضن الكعبة فقال له " يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ " - أي ألا تطلب لنا النصر؟ - فغضب النبي صلى الله عليه و سلم و قام و قال لخباب بن الأرط " و الله لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم فيحفر له الحفرة في الأرض فيوضع فيها و يؤتى بالمنشار فيوضع عند مفرق رأسه و يشق نصفين و يمشط ما بين لحمه و عظمه ما يصده ذلك عن دينه و الذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر " - أي هذا الدين - " حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله و الذئب على غنمه و لكنكم قوم تستعجلون ". هكذا كانوا جميعا يصبرون على أي بلاء في ذات الله جل و علا.
- و ها هو الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله رحمة واسعة الذي تعرض لفتنة عظيمة و هي القول بخلق القرآن ففتن كثيرا من أهل العلم في عهد الإمام و ثبت الإمام ثباتا عظيما حتى عذب في سبيل الله عذابا شديدا و سجن الإمام بل و جروه في طرقات البلد التي كان يعيش فيها و جلدوا الإمام حتى عذب في سبيل الله عذابا شديدا و مع ذلك كان ثابتا على قوله بأن القرآن كلام الله عز و جل غير مخلوق فخرج من هذه الفتنة أو هذه المحنة كالذهب الذي يستخرج من الكير حتى أصبح إمام أهل السنة رحمه الله رحمة واسعة.
-بل و هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رحمة واسعة الذي لما سمع أحد السلطان و الحكام الظلمة عنه و عن رسالته و عن مشيه لسنة الحبيب المصطفى فجيئ بالإمام ابن تيمية أمام هذا الرجل الحاكم الظالم فقال له هذا الحاكم " سمعت يا ابن تيمية أنك تريد ملكي و ملك آبائي " فتبسم ابن تيمية تبسم الواثق في موعود ربه و قال " ملكك، و الله ما ملكك و لا ملك آبائك و أجدادك و لا ملك العرب و العجم يساوي عندي جناح بعوضة، إني منذ عقلت رشدي أريد جنة عرضها السماوات و الأرض " فأمر هذا الملك جنوده أن يأخذوه إلى السجن فلما دخلوا به إلى السجن و أنزلوا الباب قال الإمام ابن تيمية " فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب " و ظل الإمام ابن تيمية رحمه الله رحمة واسعة يقرأ القرآن في السجن حتى ختم القرآن بضع و ثمانين مرة و وصل إلى قول الرب العلي: " إن المتقين في جنات و نهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر " و مات الإمام عند تلك الآية و يجتمع أكثر من نصف مليون رجل حتى يشيعوا جنازة الإمام رحمه الله رحمة واسعة و صدق الإمام أحمد حين قال " بيننا و بينهم يوم الجنائز "، انظر لجنازة أهل السنة و انظر لجنازة أهل المعاصي و أهل البدع شتان شتان ما بين و هؤلاء و هؤلاء. فكل هؤلاء الذين ذكرنا أسماءهم كانوا يبحثون عن الحقيقة كانوا يفرون إلى الله عز و جل و لم يكن ذلك دأب الرجال فحسب بل كان ذلك دأب النساء الصالحات أيضا:
فهذه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيض و هي من هي ابنة رأس الكفر عقبة بن أبي معيض الذي ذهب و آذى النبي صلى الله عليه و سلم أشد الإيذاء حتى بلغ به الأذى كما في الصحيحين أنه وضع سلا الجازور على ظهر النبي و هو يصلي بين يدي الله عز و جل و لم يستطع النبي أن يقوم من سجوده حتى جاءت بنيته فاطمة عليها السلام و أزاحت تلك النجاسة من على ظهر النبي صلى الله عليه و سلم، و بأتي عقبة بن أبي معيض مرة أخرى و يبصق في وجه النبي الشريف فيستأثر بكل لؤم و حقارة على وجه الأرض و ينزل فيه قول الله عز و جل " و يوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني و كان الشيطان للإنسان خذولا "، بل و يأتي مرة ثالثة و يجد النبي ساجدا بين يدي الله عز و جل في حضن الكعبة فيضع عقبة رجله النجسة على مؤخرة رأس النبي و يضغط برجله على رأس النبي صلى الله عليه و سلم حتى قال الحبيب المصطفي " و الله كادت عيناه أن تخرجان من رأسي "، كادت عين النبي أن تخرج من رأسه من شدة وطأة قدم عقبة على رأس النبي صلى الله عليه و سلم،. فابنة هذا الرجل مؤمنة بل و صحابية جليلة، و عقبة بن أبي معيض و زوجته كفروا بالله عز و جل و ابنته التي خرجت من صلبه تكون مؤمنة لله جل و علا، جاءت بعد صلح الحديبية و إن من بنود صلح الحديبية أن المشركين فد أتفقوا مع سيد المرسلين على أنه إذا جاءه أي رجل مشرك أو امرأة مشركة يريدون أن يسلموا لله عز و جل فعلى النبي أن يردهم مرة أخرة إلى المشركين أما إذا جاء مسلم إلى المشركين يريد أن يرتد عن دينه فعلى المشركين أن يقبلوه، و على الرغم من ذلك جاءت هذه الفتاة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيض جاءت من بين أبوين كافرين فلما وصلت إلى النبي صلى الله عليه و سلم أرسل عقبة أخويها إلى هذه الفتاة حتى يأتيان بها فلما وصلت إلى النبي و قالت له " يا رسول الله لقد أسلمت لله جل و علا فأشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله " جاء أخواها و قالا له " يا محمد إنك لا تغدر و لا تخون فرد إلينا أختنا حتى نردها إلى أهلها مرة أخرى فسكت النبي و لم يدري ماذا يفعل و إذا بالحق جل و علا يرسل جبريل عليه السلام ليشق السبع سماوات بسورة كاملة تنزل تكرمة لتلك الفتاة سورة الممتحنة و فيها قول الله عز و جل " يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم و لا هم يحلون لهن " فاستثنى الله عز و جل من صلح الحديبية استثنى النساء فبقيت هذه الفتاة مع النبي صلى الله عليه و سلم. إذا فهذه هي فتاة فرت إلى الله عز و جلا لتفوز بنعمة التوحيد التي هي أجل النعم التي من أجلها خلق الله السماوات و الأرض و خلق الجنة و النار و خلق الإنس و الجان و كلفهم بأعظم تكليف أن يوحدوا الله جل و علا فمنهم من يدخل الجنة و منهم من يدخل النار و كل ذلك برحمة العزيز الغفار جل و علا، فهذه امرأة جاءت مهاجرة.
و أتساءل لأنفسنا الآن متى نفر إلى الله عز و جل؟ و متى نعود إلى الله حتى يرفع الله عز و جل البلاء و المحن و الفتن التي سلطت على المسلمين من كل حدب و صوب حتى وصل الذل للأمة أن الله عز و جل أذل الأمة لأذل أمم الأرض من أبناء القردة و الخنازير - و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم -، متى نعود إلى الله عز و جل؟ إن الحياة لا تستحق أبدا أن ننسى لقاء الله عز و جل، إن الحياة بكل رمتها و بكل ما عليها من متاع و زينة زائلة فانية لا تستحق أبدا أن ننسى ذلك اليوم الذي سنقف فيه بين يدي الحق جل و علا فيسألنا عن كل صغير و كبير " و وضع الكتاب فترى المجرمين مسفقين مما فيه و يقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربك أحدا "، و تأمل معي قول الله جل و علا " فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ و لا يتساءلون "، لا ينفعك إلا عملك الصالح، لا ينفعك حسب و لا نسب، لا و لا نسب بيننا و بين الله عز و جل إلا بالتقوى " إن أكرمكم عند الله أتقاكم "، " إن الله لا ينظر إلى صوركم و لا إلى أجسامكم و لا إلى أموالكم و إنما ينظر إلى قلوبكم و إلى أعمالكم " و الحديث رواه مسلم، " فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ و لا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولائك هم المفلحون و من خفت موازينه فأولائك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار و هم فيها كالحون "، و الكلوح كما فسره أهل العلم هو ارتفاع الشفة العليا إلى منتصف الرأس و نزول الشفة السفلى إلى منتصف الصدر، لك أن تتخيل هذه المنظر العجيب، " تلفح وجوههم النار و هم فيها كالحون "، يقول لهم جل و علا معاتبا " ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون، قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا و كنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون، قال اخسئوا فيها ولا تكلمون إنه كان فريقا من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا و ارحمنا و أنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري و كنتم منهم تضحكون إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون "، ثم توجه الحق جل و علا بهذا السؤال لهؤلاء الذين أجرموا في حق الله عز و جل " قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين "، كم تمعتم بالأموال و النساء و المناصب كم تجبرتم و كم عشتم و كم ذقتم لذائذ الدنيا و شهواتها الفانية، " كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم " - و أو هنا بمعنى بل - أي لبثنا يوم واحد في الدنيا لا بل بعض يوم، و كل ماعشناه في هذه الدنيا ما هو إلا بضع الساعات ، و مصداق ذلك أيضا في الحديث الذي رواه عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: " يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار " - أنعم شخص على وجه الأرض تنعم و ذاق النعيم الذي لم يذقه حتى قارون - " فيغمس غمسة واحدة في نار جهنم ثم يسأله الحق جل و علا عبدي هل رأيت نعيما قط؟ فيقول لا و الله يا رب ما رأيت نعيما قط "، ينسى كل نعيم مع غمسة واحدة فكيف بمن يعيش في النار و كيف بمن يكون طعامه من النار و شرابه من النار وكفاؤه من النار و مهاده من النار - نسأل الله العفو و العافية - فقال جل و علا " كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون "، و الله ما كانت الدنيا تستحق أنك تضيع حق الله عز و جل و تنسى لقاء الله عز و جل من أجل ساعات معدودة و متاع زائل، " قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون أفحسبتم أننا خلقناكم عبثا و أنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق " تعالى الله عز و جل أن يسوي بين المؤمن و الكافر تعالى الله أن يسوي بين المحسن و المنافق تعالى الله عن ذلك علوا كثيرا قال جل و علا " لا ظلم اليوم " و قال جل و علا " إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا ".
اختم هذه الخطبة تلك القصة المؤثرة لتلك المرأة الميمونة المباركة التي أخبر النبي صلى الله عليه و سلم بقصتها في رحلة الإسراء و المعراج، التي كانت تفر بكل ما تملك إلى الله عز و جل و هي ماشطة ابنة فرعون: إن ماشطة ابنة فرعون حديثها أورده الإمام أحمد في المسند بإسناد جيد: أن هذه المرأة كانت تعيش في قصر فرعون هي و زوجها و أولادها الذين بلغوا خمسة فعاشوا في قصر هذا الرجل الطاغية، فرعون، فلما بعث موسى عليه السلام آمنوا برسالة موسى عليه السلام و لامس الإيمان شغاف قلوبهم، و بينما تلك المرأة تمشط رأس ابنة فرعون و كانت ذات مكانة عالية عند فرعون لأنها هي التي تربي له ابنته فلما كانت تمشط شعرها في يوم من الأيام إذ سقط من يديها المشط فلما سقط على الأرض مالت المرأة على الأرض و أخذت المشط و قالت " بسم الله " فقالت الفتاة " أبي؟ " - أي بسم الله أبي؟ - لأنهم كانوا يعبدون فرعون من دون الله الذي كان يقول لهم ما علمت لكم من إله غيري، فقالت لها " بسم الله أبي؟ " فقالت " لا، بل ربي و رب أبيك الله جل و علا " فقالت الفتاة على سبيل التهديد " اذهب لأخبر أبي؟ " - أي أخبره أنك تؤمنين بإله غيره - فقالت لها " اذهبي "، لأن الإيمان إذا لامس شغاف القلوب فلا قوة على وجه الأرض تستطيع أن تسلط أي تهديد على أي مؤمن على وجه الأرض، فقالت لها " اذهبي " فذهبت الفتاة و أخبرت أباها فرعون بأن ماشطتها آمنت بالله عز و جل من دون فرعون، فغضب فرعون و جاء بالمرأة فقال لها " أتؤمنين بإله غيري؟ " قالت " أجل، ربي و ربك الله عز و جل "، و تأمل ثبات تلك المرأة الميمونة المباركة، فقال فرعون " هل تثبتين على هذا الرأي أم ترجعي عنه؟ فإنك إن لم ترجعي عنه فسأقتلك أنت و أبنائك " و كان من الممكن لتلك المرأة أن ترجع مرة أخرى عن قولها و أن تؤمن و لو بقلبها حتى ترفع العذاب عن نفسها و عن أولادها، لو كان أحدا عصرنا هذا لفعل ذلك، لكنها مع شدة إيمانها بالله جل و علا و مع علمها أنه لا عذاب أشد من عذاب الله و لا نعيم أعظم من نعيم الله فآثرت رضاء الله عز و جل على رضاء المخلوق، قالت " بل أؤمن بالله جل و علا " فأمر فرعون بنقرة من نحاس فأحمي عليها حتى ذاب النحاس و خلطوه بالزيت المغلي ثم أمر بأولادها الخمسة و قد جيء بها مع هؤلاء الأولاد "، تأمل معي هذا المشهد لتلك المرأة التي ضحت بكل شيء من أجل أن تفر لله جل و علا، فجيء بأولادها و هي أولادها الخمسة حولها وتحتضن كل أولادها و ثمرة فؤادها فنزعوا أول طفل من بين يديها و قيل لها و قد وضع الطفل على حافة القدر و سيلقى الآن في النحاس المذاب و في الزيت المغلي " أترجعين عن قولك و تؤمنين بفرعون " قالت " بل أؤمن برب فرعون و رب الكون كله " و أسقطوا أول ولد من أولادها أمام عينيها، بل أقول إنهم أسقطوا روحها مع ولدها، فأسقطوا أول أولادها في القدر و الأم تنظر إلى ابنها الذي لطالما ربته و لطالما أرضعته و لطالما سهرت عليه تداويه و تطعمه و تسقيه و لطالما قدمت له كل غال و نفيس، نظرت إلى ابنها و ثمرة فؤادها و هو يلقى في الزيت المغلي و ما هي إلا دقيقة واحدة حتى انفصل اللحم عن العظم و المرأة تنظر إلى عظام طفلها الصغير و هي تطفو على حافة الزيت، و جيء بولدها الثاني و قيل لها " هل ترجعي عن دينك؟ " قالت " لا " و أخذ الولد و هو يصرخ و يقول " يا أماه تتركيني أعذب مثلما عذب أخي؟ " و المرأة تقطر الدم من عينيها بل و تقطر الدماء من قلبها حزنا على أولادها و فلذات أكبادها الذين يعذبون بل و يقتلون أمام عينيها و إذا بالولد الثاني يسقطوه في القدر فينفصل اللحم عن العظم و يطفو عظم هذا الصغير الذي ما فعل شيئا يعلقب عليه يطقو وتقطو عظامه على حافة الزيت، و تلك الأم المسكينة تنظر إلى تلك هذا المنظر البشع و قلبها يمتلئ غيظا و حقدا على فرعون و يمتلئ حزنا على ولدها، و جيء بالولد الثالث و الرابع و فعل ذلك أمام عينيها و كل طفل يصرخ " يا أماه الرحمة يا أماه أنقذيني يا أماه هل تودين أن يفعل بي مثل ما فعل بإخواني " و المرأة ثابتة كالطود الشامخ حتى تخرج من تلك الدنيا بعز الإيمان، و جيء بالطفل الخامس لكن المأساة كلها كانت في هذا الطفل الخامس، و الطفل الخامس كان يرضع من ثدي أمه كان طفلا رضيعا فلما أخذوه نزلت قطرات من لبن أمه على خديه و نزلت دموع الطفل لفراق أمه و صرخت الأم صرخة مدوية حزنا على هذا الطفل الرضيع، و موت الطفل هو أشد ألما على قلب الأب و على قلب الأم من موت أي ولد آخر، فلما أخذوا هذا الطفل كأن الأم حزنت " كيف أترك هذا الطفل يعذب و يقتل كما قتل الباقون " و كان من الممكن أن ترجع في هذه اللحظة لكن الله ثبتها ثباتا عظيما بأن أنطق لها هذا الطفل الوليد فاستدار الطفل الوليد الذي يرضع من ثدي أمه و قال " يا أم اصبري فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة " فأنطق الله عز و جل لها هذا الطفل فثبت قلب أمه و نزل الطفل الرضيع - ولا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم - في الزيت المغلي و انفصل اللحم عن العظم و طفت عظلم الطفل الرضيع على حافة القدر ثم جيء بتلك المرأة و هي تتبسم و إذا بها تطلب من فرعون طلبا واحدا فقالت له " لي عندك طلب واحد لا أريد غيره " قال " لك ذلك بما لك علينا من حق ماذا تأمرين؟ " قالت " أريد منك بعد ما أقتل أن تجمع عظامي و عظام أولادي و أن تدفنا جميعا في قبر واحد " فقال لها " لك ذلك " فلما نزلت الأم و فاضت روحها إلى بارئها جل و علا جمعت عظامها و جمعت عظام أولادها و دفنوا جميعا في قبر واحد و إذا بالحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم بعد مئات السنين و هو في رحلة الإسراء و المعراج يشم رائحة طيبة جميلة في السماوات السبع فيقول لجبريل عليه السلام " يا جبريل ما تلك الرائحة الجميلة المباركة؟ " قال " يا رسول الله -صلى الله عليه و سلم - هذه رائحة عظام ماشطة ابنة فرعون و أولادها الخمسة لما شاطت أجسادهم ابتغاء وجه الله جعل الله عز و جل السماء كلها تمتلئ بطيب ريحهم رضي الله عنهم جميعا و أرضاهم. هذا هو الثبات و هذا هو الفرار إلى الله عز و جل فما علينا إلا أن نفر إلى الله عز و جل فرار السعداء بأن نمتثل أمر الله و أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم و نعلم أنه لا نجاة لنا إلا خلف النبي صلى الله عليه و سلم. أقول قولي هذا و استغفر الله العظيم لي و لكم
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://justachemist.wordpress.com/
 
ففروا الى الله
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Just For Chemistry :: اسلاميات :: القران-
انتقل الى: